U3F1ZWV6ZTEwOTA3NjExMTU1MTk0X0ZyZWU2ODgxNDY0MzA3MDM1

المسؤولية المدنية في المجال الأسري بين النص القانوني والعمل القضائي؟

 المسؤولية المدنية في المجال الأسري بين النص القانوني والعمل القضائي

مقدمة :

أولى الإسلام للأسرة عناية فائقة، فحث على تكوينها و دعا إلى أن يعيش الناس في ظلالها ، باعتبارها الصورة الطبيعية للحياة المستقيمة التي تلبي رغبات الإنسان وتفي بحاجاته،فهي الوضع الفطري الذي ارتضاه الله لحياة الناس، كما خصها بتشريعات وأحكام بهدف تنظيمها، و حمايتها بدءا بلحظة التفكير في إنشائها ومرورا بإقامتها و بنائها.

وإذا كانت مدونة الأحوال الشخصية الملغاة استمدت معظم أحكامها من قواعد الفقه المالكي، استجابة لمتطلبات الأسرة المغربية، وتماشيا مع مبادئ وأحكام الفقه الإسلامي في الفترة التي وضعت فيها ، فإن التطور السريع الذي عرفته الأسرة من تنامي دور المرأة وتبادل الأدوار أحيانا، بينها وبين الرجل في المجتمع، وكذا انفتاح المغرب على المحيط الدولي جعل المشرع يغير بعض تلك الأحكام بما ينسجم مع المرجعية الدولية فيما لا يتناقض ويتعارض مع المرجعية الإسلامية ، وغني عن البيان أن إصلاح قضايا الأحوال الشخصية مسألة صعبة ومعقدة وشائكة في كل المجتمعات، حيث تبقى من القضايا ذات الراهنية الدائمة  نظرا لارتباطها بالقيم الدينية والثقافية والتحولات المجتمعية والمؤشرات السياسية.حيث تعرضت الأسرة المغربية لمظاهر متعددة من التطور سواء على مستوى التعليم وخروج المرأة إلى العمل وممارستها الحقوق السياسية ، وكذلك عوامل الهجرة والموارد الاقتصادية وتغير وسائل الحياة الاجتماعية ، أثرت بشكل كبير على التضامن الأسري والسلطة الأبوية ، وهما المظهران الأساسيان اللذان كانت تنطلق منها مبادئ قانون الأسرة ، إضافة إلى اعتبار هذه الاخيرة خيارا استراتيجيا لتحقيق التنمية البشرية، مما استوجب التدخل لتطوير المناخ التشريعي على ضوء التحولات الكبرى والعميقة التي عرفها المجتمع المغربي عامة والأسرة المغربية على وجه الخصوص.

وعليه جاءت مدونة الأسرة معتبرة هذا المعطى الاستراتيجي، لتكون هذه الأخيرة في مستوى هذه التطلعات وقادرة على مواكبة وتيرتها المتسارعة في ظل مقاربة ثنائية تحافظ وتزاوج كمبدأ بين روح الانفتاح والتسامح والحداثة، وبين التأكيد على التشبث بجدور الأصالة التراثية المستمدة روافدها من الإسلام كمكون حضاري ومصدر تشريعي أساسي لا يمكن الاستغناء عنه.

وفي إطار تحديث المشرع المغربي لترسانته القانونية ، أصدر مدونة الأسرة قصد تجاوز سلبيات مدونة الأحوال الشخصية الملغاة رغم التعديلات الجزئية التي أدخلت عليها بموجب تعديلات 10 شتنبر 1993، والتي استمرت فترة زمنية قاربت نصف قرن رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي عرفها المغرب. وجاء في مدونة الأسرة بالعديد من المزايا أهمها إلقاء المشرع المغربي على عاتق الزوجين المسؤولية عند الإخلال بواجب من الواجبات التي جاءت من أجلها هذه الرابطة . سواء في مرحلة الخطبة أو أثناء قيام العلاقة الزوجية أو بعد انحلال هذه المؤسسة بأحد الأسباب المنصوص عليها في مدونة الأسرة.

أهمية الموضوع :

 

يكتسي هذا الموضوع راهنية كبرى ، نابعا من حاجة مكونات الاسرة للحماية  القانونية و القضائية ، وقد تعددت أوجه هذه الحماية بالانفتاح على ظهير الالتزامات والعقود ، في إطار المسوؤلية المدنية في قضايا الاسرة ولما لها من خصوصية تميزها عن غيرها .

اشكالية:

 

ان انفتاح مدونة الاسرة على العديد من المستجدات التي شملت مختلف المواضيع سواء تلك المتعلقة بالخطبة أو الزواج او انحلاله،  ولعل أبرزها تلك المستجدات المرتبطة بانفتاح  مدونة الاسرة على قانون الالتزامات والعقود، حسب ما يظهر من خلال مجموعة من المواد .ومن هذا المنطلق ماهي  خصوصية  قواعد المسوؤلية المدنية  في قضايا الاسرة؟

 

 تتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة فرعية التالية:

 

     ما هو الأساس القانوني للمسؤولية في قضايا الاسرة ؟

      ماهي العناصر الاساسية لقيام المسؤولية ؟

     ماهي خصوصية اعمال قواعد المسوؤلية المدنية؟

     هل تطبق قواعد المسوؤلية التقصيرية او العقدية ؟

المنهج المعتمد

 

انطلاقا من الإشكالية و التساؤلات المطروحة أعلاه سنحاول الإجابة عنها بالاعتماد على عدة مناهج منها  المنهج  التحليلي ،دون إغفال المنهج  الاستنباطي، باستنباط الأحكام القضائية الابراز الاشكالات الواقعية في هذا الصدد .

خطة البحث:

محاولة منا  للإجابة عن الاشكالية السابق ذكرها، وإجابة منا عن الأسئلة الفرعية المطروحة أعلاه، اعتمدنا التصميم الآتي بيانه:

 

المبحث الأول :خصوصية قواعد المسؤولية المدنية قبل ابرام عقد الزواج

المبحث الثاني :خصوصية قواعد المسؤولية المدنية عند انتهاء عقد الزواج


المبحث الاول: خصوصية قواعد المسوؤلية المدنية قبل ابرام عقد الزواج

 

حري بنا في هذا الصدد استبانة خصوصية المسوؤلية المدنية، قبل ابرام عقد الزواج في إطار مدونة الأسرة و ظهير الالتزامات والعقود المغربي ، حيث سنعمل بداية ببيان خصوصية قواعد المسوؤلية المدنية في الخطبة )المطلب الأول ( ، وبعدها المسؤولية المدنية عند تعيب إرادة  احد الزوجين  بالتدليس أو الاكراه )المطلب الثاني (.

 

المطلب الاول: خصوصية قواعد المسؤولية المدنية أثناء الخطبة

اقرت مدونة الاسرة في مادتها السابعة ، على[1] أن مجرد العدول عن الخطبة ، لا تترتب عنه أية  مسؤولية غير أن هذه الأخيرة تقوم ،وفقا لنفس المادة في حالة صدور فعل من احد الخطبين سبب ضررا للأخر،  حيث يمكن للمتضرر المطالبة بالتعويض وهو ما يجعلنا نتساءل عن الطبيعة القانونية  للمسؤولية  في الخطبة )الفقرة الاولى(،وخصوصية أركان المسؤولية التقصيرية في هذا الصدد )الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية  للمسؤولية في الخطبة

 

في سبيل معالجة الطبيعة القانونية للمسؤولية في الخطبة ، برزت نظريتان أحدهما أضفت على الخطبة صبغة العقد ، أي تطبق عليها أحكام المسوؤلية العقدية (اولا)، في حين اعتبرتها النظرية الثانية انها لا ترقى إلى مستوى العقد ، وتطبق عليها أحكام المسوؤلية التقصيرية (ثانيا)،مبينين موقف القانون المغربي  من ذلك .

 

اولا- النظرية العقدية :

 

تستند النظرية العقدية [2]للخطبة إلى مفهوم العادي للعقد و الأركان العامة  التي تقوم عليها،  وذلك لإضفاء صفة العقد على الخطبة ، فإذا كان العقد بصفة عامة يعني اتفاق يلزم بمقتضاه شخصان فأكثر للقيام بعمل أو الامتناع عنه ، فإن الخطبة بدورها لا تخرج عن هذا الإطار إذ تعتبر اتفاق على القيام بعمل يلتزم بمقتضاه الخطيبان بإبرام عقد الزواج في المستقبل  ، فالخطبة حسب هذا الاتجاه تكون مستوفية لكل عناصر العقد من تطابق ارادتي كل من الرجل و المرأة و سلامة ركن الرضى من العيوب [3]، وتوفر المحل والسبب لذلك تعتبر عقدا يجب الوفاء به ، وهو نفس الاتجاه الذي  سار عليه النظام القانوني النمساوي وغيرهم [4].

 

وخلاصة القول فإن أنصار هذه النظرية يخلصون إلى أن كل الأركان و الشروط المتطلبة في سائر العقود تنطبق على عقد الخطبة ، وهو ما يؤكد وفقا لهذا الاتجاه _ على طبيعة العقدية للخطبة، والتي تترتب عليها عند الإخلال بتنفيذ مضمونها مسؤولية عقدية[5]

 

ثانيا _ النظرية التقصيرية:

 

انصار هذه النظرية ينطلقون من كون الخطبة إنما هي تمهيد لعقد الزواج،  ولا تعتبر في حد داتها عقدا ، حيت تعتبر مجرد التزام أدبي على أمل الزواج في المستقبل وأن قبولها هو مجرد مواعدة بين الطرفين على ابرام عقد الزواج متى توفرت  أسبابه و تيسرت ظروفه و تحققت شروطه و هذا ما خذا بالبعض إلى القول بأن الخطبة ما دامت فترة تمهيدية للزوج و تتيح الفرصة للراغبين فيه للتعارف ، فإنه من البديهي أن يبقى كل واحد من الطرفين حرا في فسخها على اعتبار أن مصلحة الطرفين تقتضي اعطائها الحرية الكاملة لإبرام عقد الزواج ، هذه الحرية التي تعتبر من النظام العام[6].

 

وفي هذا الصدد يرى الاستاذ احمد الخمليشي بأن الايجاب والقبول اللذان تتم بهما الخطبة لا يكونون اتفاقا قانونيا ، فالخطبة  من الناحية القانونية لا تعدو أن تكون وسيلة لتعرف الخطبين على بعضهما البعض ، ونتيجة لذلك لا تتمتع بالقوة الملزمة ، ولو طال تراكنهما أو كان الايجاب و القبول فيها مكتوبا ما دام عقد الزواج لم يكتب بشكله القانوني ، اعتبر كل ما دون ذلك خطبة غير ملزمة . وبذلك  فالخطبة وعد تطبق عليه قواعد المسوؤلية التقصيرية وليس قواعد المسوؤلية العقدية ما دمنا لا نتحدث عن عقد .

 

اما بالنسبة للقانون المغربي  ، نلاحظ من خلال العديد من مواد مدونة الاسرة إمكانية تطبيق قواعد  قانون الالتزامات والعقود أمر ممكن .ولعل اهم القواعد المطبقة في هذا المجال ،هي تلك المتعلقة بالمسؤولية المدنية ، إذ نجد المشرع المغربي في إطار مدونة الأسرة ، أورد مجموعة من المقتضيات التي تفيد إمكانية تطبيق هذه القواعد ، كما هو شأن بالنسبة  للعدول عن الخطبة [7] .

 

اجمعا الفقهاء على أن الخطبة وعد بالزواج،  وهي تمهيد لعقد الزواج ولا يعتبر في حد داته عقدا، ولكل واحد من الطرفين الحق في العدول عنها[8]، وقد يلحق بأحد الخطبين ضررا جراء العدول عنها سواء كانت مادية أو معنوية ، ولهذا الاعتبار  إمكانية رفع الدعوى التعويض من طرف المتضرر من الطرفين في إطار الأحكام العامة للمسؤولية التقصيرية.  التي تمنع كقاعدة الإضرار بالغير بدون وجه حق ، بل في إطار القاعدة الشرعية التي تقضي بأن الضرر يزال [9].

 

وعلى نفس النهج  المشرع المغربي لم يجعل الخطبة عقدا ، حيث اعتبرها مجرد تواعد[10]، و برجوعنا إلى ظهير الالتزامات والعقود فالوعد لا ينشأ التزاما [11].

 

وعليه لا يمكن اضفاء قواعد المسوؤلية العقدية على الخطبة لعدم وجود عقد و بالتالي فإن المطالبة بالتعويض كلما توفرت شروطه ، يتم في إطار المسوؤلية التقصيرية طبقا للفصل 77 و [12]78 ظهير الالتزامات والعقود.


الفقرة الثانية: أركان المسؤولية التقصيرية في الخطبة

لقيام  المسؤولية التقصيرية فإنه يلزم توفر الأركان الثلاثة،  والتي هي الخطأ و الضرر و العلاقة السببية بينهما،  فهل لهذه الأركان خصوصية معينة عند تعويض ضرر العدول عن الخطبة ، يجعلها تتميز عما هو مقرر في النظرية العامة للالتزام؟

 

أولا _ الخطأ

 

في هذا الصدد يمكن تعريف الخطأ الموجب للتعويض في الخطبة بأنه كل فعل إيجابي أو سلبي يصدر عن احد الخطبين يقترن بالعدول عن الخطبة و يسبب ضررا للطرف الاخر[13] ،ويشكل تعديا عليه ، ويكون الشخص متعديا في نظر القانون إذا اخل بالالتزامات التي يفرضها عليه القانون أو العرف والحاق ضررا [14] بغيره  .

 

والخطأ الموجب للمسؤولية في حالة العدول عن الخطبة ليس هو مجرد العدول [15]الذي لا يمكن أن يشكل بحد داته خطأ موجبا للحكم بالتعويض  ما دام لم توجد أفعال مستقلة عن العدول كان من شأنها أن تلحق ضررا بالطرف الاخر. وهذا الأمر هو الذي حرصت المحكمة المصرية على التنبيه إليه قديما  في قرار صادر بتاريخ  رقم 10 بتاريخ  1939 جاء فيه " إذا كان الوعد بزواج ... مجرد وعد... قد لازمتهما أفعال آخرى مستقلة عنهما استقلالا تاما ، وكانت هذه الأفعال قد الحقت ضررا ماديا أو ادبيا بأحد المتواعدين ، فإنها مستوجبة التضمين على من وقعت فيه ..."[16].

 

و الخطأ قد يأخذ صورة إيجابية ، مثلا اذا تم العدول بصورة مفاجئة تخدش المشاعر و تنال من العواطف ، وقد تأخذ صورة سلبية كما في " حالة كتمان احد الخطبين عن الاخر بعض الوقائع الصحيحة واخفائها عنه بهدف تضليله .."، إلا أن  هناك حالات يصعب فيها القول بتحقق الخطأ التقصيري عند العدول عن الخطبة في صورته السلبية كالحالة التي يخفي فيها الخطيب رغبته الحقيقية من الخطبة و هي طمعه في ثروة المخطوبة أو ثروة ابيها ، ثم لا يتحقق طمعه في فترة الخطبة . وفي جميع الحالات يقع عبء إثبات الخطأ على عاتق المدعى المطالب بالتعويض [17] .

 

وإما  فيما يتعلق بمعيار تحديد الخطأ  يرى أغلب الفقه أن معيار الخطأ في حالة العدول عن الخطبة هو معيار الانحراف عن السلوك المألوف للشخص العادي في مثل الظروف الخارجية التي احاطت بالخطيب. في حين يرى البعض أن أساس العدول قد يكون في كثير من الأحيان من المسائل الشخصية البحثة،  التي يصعب التعبير عنها في العالم الخارجي كما يصعب تحليلها[18] ، لذلك نجد ان اغلب  الفقه   يرى أن المعيار الواجب اعتماده في تقدير ركن الخطأ هو المعيار الشخصي الذي ينظر إلى الخطيب المعني بالأمر.

 

و نعتقد أن الرأي الأخير هو الرأي السليم ، باعتباره يأخذ بالمعيار الشخصي في تقدير الخطأ تقصيري عن الخطبة ، نظرا لخصوصية الخطبة التي تعتبر مرحلة تمهيدية لإبرام عقد الزواج و التي تختلف كليا عن الاتفاقات الأخرى الممهدة لإبرام العقود المالية .

 

ثانيا_الضرر:

 

يشكل الضرر الركن الأساسي لقيام المسؤولية ومرتكزها الأسمى[19]،  فإذا لم يكن هناك ضرر فلا يمكن أن تقوم للمسؤولية   قائمة لان هدفها أساسا إزالة الضرر .ولكي يتأتى التعويض عن العدول عن الخطبة على أساس المسوؤلية التقصيرية يتعين أن يترتب على الخطأ ضرر لاحد الطرفين، وبذلك يستلزم العدول عن الخطبة ضرر للأخر،  سواء كان ضرر مادي أو معنوي.

والضرر المادي يقصد به ما يصيب الإنسان في ذمته المالية أو في جسمه [20]، و الأضرار المادية الناتجة عن العدول عن الخطبة تكون واجبة الاثبات من طرف المتضرر حتى يتسنى له الحصول على التعويض .

 

اما الأضرار المعنوية،  فهي تكون مفترضة ولا تحتاج إلى إثبات و هي ما يصيب الطرف الآخر من إحباط و يأس يمس الشعور ، وقد قبلت المحكمة الابتدائیة بمراكش طلب تعويض الأضرار المادية والمعنوية بتاريخ `7 يونيو 2009 "أن مجرد العدول عن الخطبة لا يترتب عنه تعويض، غير أنه إذا  صدر عن احد الطرفين فعل سبب ضررا للأخر فيمكن للمتضرر المطالبة بالتعويض وفقا للمادة 7 مدونة  الاسرة ..وحيث يكون بذلك تضرر المدعية من عدول المدعى عليه عن خطبتها ثابتا وهو الضرر الحاصل من فقد مورد رزقها على المستوى المادي، و على المستوى المعنوي فإن تضررها من عدول المدعى عليه عن خطبتها دون سبب و لمجرد أنه متزوج ومرافقته لها بصفة دائمة ومستمرة علنا مما شكل لها احباطا ، ويقلل من فرص تقدم الغير للمطالبة  بزواجها  .

وإذا كان الأصل أن جميع الأضرار المادية و المعنوية    قابلة للتعويض،  فإن خصوصية الخطبة قد فرضت عدم تعويض بعض الأضرار منها تغرير الخاطب للمخطوبة لممارسة الجنس[21] .

 

اما بالنسبة للأضرار التي وجدت صعوبات من طرف الفقه والقضاء في تعويضها نذكر الخلاف بشأن تعويض المخطوبة عن الأضرار المادية و المعنوية التي لحقتها جراء وفاة خطيبها نتيجة حادث أودت بحياته ، ففي فرنسا بعد أن كانت محكمة النقض ترفض تعويض المخطوطة عن الضرر الذي أصابها جراء وفاة خطيبها لانعدام اية علاقة قانونية أو شرعية أو وجود صلة قرابة أو مصاهرة ، فإن هذه المحكمة تراجعت عن هذا توجه ، واعتبرت أن تعويض لا يشترط فيه توافر الرابطة القانونية عن مدعى الضرر و الضحية [22].

 

وقد ذهب الفقه المغربي إلى التمييز بخصوص تعويض المخطوبة عن الأضرار التي لحقتها جراء وفاة خطيبها ، بين الضرر المادي و الضرر المعنوي _فالضرر المادي _ بحسب هذا الفقه ، و المتمثل في الحرمان من النفقة هو ضرر احتمالي غير محقق لان استحقاق النفقة متوقف على عقد الزواج الذي لم يتم بعد بالنسبة للخطيبة ، فالخطبة هي وعد بالزواج[23] ، وليست بزواج أما الضرر المعنوي الناتج عن قتل احد الخطبين فإنه يخول للأخر حق طلب التعويض جراء ما أصابه من جرح في عاطفته 

ثالثا_ العلاقة السببية


كما هو الشأن بالنسبة للمسؤولية العقدية فإن المسوؤلية التقصيرية هي الاخرة لا تقوم الا في حالة وجود علاقة سببية بين   الخطأ و الضرر ، وينبغي أن يترتب الضرر مباشرة عن الخطأ ، وان لا ينشأ عن خطأ المضرور نفسه او قوة قاهرة أو حادث فجائي.

 

على أن المدعي قد يصادف بعض الصعوبات في مجال الاثبات خاصة في الحالة التي تكون الدعوى مبنية على أساس التعسف في استعمال الحق حيث يصعب تحديد تعسف العادل من عدمه خاصة وأن أسباب العدول غالبا تكون شخصية ولا تخضع للقياس موضوعي[24] .

 

حيث لا تتميز العلاقة السببية باي خصوصية في هذا الصدد ، مادامت تستوجب وجود علاقة بين الخطأ و الضرر كما في جميع الأحوال التي تقوم فيها المسوؤلية المدنية .

 

المطلب الثاني : المسؤولية المدنية عند تعيب إرادة أحد الزوجين بالإكراه أو التدليس.

للحديث عن المسؤولية المدنية في حالة تعيب إرادة أحد الزوجين بالإكراه أو التدليس لابد من التطرق لخصوصية هذه المسؤولية(الفقرة الأولى ) ثم الأساس الذي يرتكز عليه التعويض في هذا الإطار (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: خصوصية المسؤولية عند فسخ عقد الزواج بالإكراه أو التدليس .

 يعتبر عقد الزواج مثله مثل باقي العقود المدنية الأخرى التي نظمها الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، فلا ينعقد إلا بتراضي طرفيه على إبرامه، ويتم هذا التراضي بإيجاب وقبول مطابق له يمثل رضا كل طرف بالزواج من الطرف الآخر. وفي هذا السياق فإن مدونة الأسرة بعدما نصت على ضرورة انعقاد الزواج بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الآخر[25] خولت للطرف الذي أبرم العقد تحت وطأة الإكراه أو التدليس، إمكانية التعويض عن الضرر الذي يصيبه جراء ذلك[26]

يخضع الزواج عند إبرامه وترتيب آثاره لرضا سليم من العيوب التي قد تشوبه والواردة في قانون الالتزامات والعقود[27]، لذا تنبه المشرع إلى التدليس والإكراه عند إبرام عقد الزواج.

وهكذا منح للمكره أو المدلس عليه إمكانية طلب فسخ الزواج قبل البناء وبعده خلال أجل لا يتعدى شهرا من يوم زوال الإكراه، ومن تاريخ العلم بالتدليس مع حقه في طلب التعويض[28].

ولأهمية الإكراه والتدليس كأحد العيوب المؤثرة في الرضا، فإننا سنحاول تقريب صورة العقد المشوب بهما حيث نصت المادة 12 من مدونة الأسرة على أنه :" تطبق على عقد الزواج المشوب بإكراه أو تدليس، الأحكام المنصوص عليها في المادتين 63 و66 بعده"،  فهذه المادة أوجدها المشرع لحماية أحد طرفي العلاقة الزوجية من الإكراه، ومنحه إمكانية فسخ عقد الزواج والمطالبة بالتعويض.

 ويشترط في الإكراه أن تكون الوسائل المستعملة في هذا العيب، هي الدافع إلى التعاقد، وقد حدد المشرع أجلا قصيرا للمطالبة بالفسخ أو التعويض، حدده في شهرين من يوم زوال الإكراه أومن تاريخ العلم بالتدليس، واستثناء على آجال التقادم المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود والمحددة في خمس سنوات، فيما يخص الجرائم وأشباه الجرائم من الوقت الذي بلغ فيه إلى علم الطرف المتضرر حصول الضرر ومن المسؤول عليه بحيث لا تبدأ مدة هده التقادم إلا من الوقت الذي يتوفر فيه العلم بهذين الأمرين معا، ولقد أراد المشرع من تحديد مدة التقادم هده في شهرين هو الحفاظ على استقرار الأسرة.

وبهذا إذا تحققت العلاقة السببية بين الفعل والضرر، فانه يحق للمتضرر طلب التعويض طبقا للقواعد العامة للمسؤولية التقصيرية، ولكن الإشكال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو أن المادة 63 من المدونة لم تحدد ما إذا كان التدليس أو الإكراه الصادر من الغير موجبا للفسخ، ويمكن من المطالبة بالتعويض؟

 للإجابة على هذا الإشكال لابد من الرجوع إلى المقتضيات العامة في قانون الالتزامات والعقود، التي تقضي بأن المسؤولية التقصيرية عن العمل الشخصي تقتضي صدور العمل غير المشروع عن الشخص ذاته، وهكذا يمكن طلب الفسخ أو المطالبة بالتعويض في حالة الإكراه الذي يقع على شخص قريب من المكره إلا أن أثر الإكراه على العقد يختلف بين قانون الأسرة وقانون الالتزامات والعقود، ففي هذا القانون الأخير يقرر حكم القابلية للإبطال[29]، في حين أن مدونة الأسرة قررت التعويض على الفسخ إذا وجد له مبرر.

 كما أن المشرع في مدونة الأسرة اشترط لإيقاع الفسخ، أن يتم خلال أجل لا يتعدى شهرين من يوم زوال الإكراه[30]، وهذا مخالف لمدة التقادم المحددة في سنة كما هو ظاهر من خلال الفصل 311 من قانون الالتزامات والعقود.

       وهكذا ومن خلال ما سبق، فقد تبين لنا أن عقد الزواج المشوب بعيب الإكراه وإن كان في البداية ينشأ معه عقد الزواج، إلا أنه يمنح للطرف الذي عيبت إرادته حق طلب فسخ العقد وجعله كأن لم يكن مع طلب التعويض في حالة وجود ما يبرره.

اما بخصوص التدليس في عقد الزواج نجد المشرع المغربي  يذهب في قانون الالتزامات والعقود إلى جعله سببا مستقلا لطلب إبطال العقد حسب الفصل 52 منه، متى كان هو الدافع إلى التعاقد، أما في قانون الأسرة فقد بين المشرع أحكام العقد المشوب بعيب التدليس، من خلال المادة12.[31]و63[32].

فالتدليس هو استعمال خديعة توقع الشخص في غلط يدفعه الى التعاقد فالمتعاقد تحت وطأة التدليس إنما يتعاقد تحت تأثير الوهم الذي أثاره في ذهنه المدلس [33].

وبعبارة أخرى؛ فالتدليس يوقع المتعاقد المدلس عليه في غلط يعيب رضاه، وعلى هذا الأساس يكون العقد قابلا للإبطال، والذي يعيب الإرادة هنا هو الغلط الناتج عن التدليس عن طريق استعمال وسائل احتيالية من طرف المتعاقد المدلس، فالصلة وثيقة ما بين الغلط  والتدليس فهذا الأخير لا يخول الإبطال للعقد الذي يولده في نفس المتعاقد[34].

فالمشرع أعطى في هذه المادة للمكره أو المدلس عليه حق طلب فسخ عقد الزواج قبل الدخول وبعده، لأنه مشوب بعيب من عيوب الإرادة.

 وهكذا فقد خول الزوج الحق  في طلب الفسخ، خلال أجل لا يتعدى شهرين يحسب من تاريخ زوال الإكراه أو العلم بالتدليس، فمهما اكتشف أن الطرف الأخر قد دلس عليه إلا وله الحق في طلب الفسخ، وشهرين بعد زوال الإكراه أو العلم بالتدليس كافية، ما لم يكن قد استحسن الأمر وأصبحت له الرغبة في الاستمرار في الزواج.وبعد فسخ عقد الزواج في حالة ما إذا حكمت المحكمة بذلك، فان الطرف الأخر الزوج أو الزوجة ضحية هذا التدليس أو الإكراه، له الحق في طلب التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء ذلك.

وقد حاول المشرع إبراز بعض الأمثلة، التي تخول لصاحبها حق التعويض ومنها إذا حصل الطرف المقبل على الزواج وعن طريق التدليس على الإذن المشترط في المادة 65 من مدونة الأسرة بشكل تدليسي، إذا كان دون سن الأهلية أو كان معاقا ذهنيا أو كان أجنبيا أو كان من اعتنقوا الإسلام أو عند الحصول على شهادة الكفاءة المشترطة في نفس المادة.

حيث يخول للمدلس عليه حق طلب الفسخ مع الحق في التعويض، وذلك بشروط وهي أن يكون التدليس هو الدافع إلى قبول الزواج وأن يطلب الفسخ في أجل لا يتعدى شهرين من تاريخ العلم بالتدليس أما بخصوص التعويض فبعد إثبات الضرر.

ومن التطبيقات في هذا الصدد[35] قضت محكمة النقض في قرار عدد 113، صادر بتاريخ 16 مارس 2021 عن ملف شرعي بأنه " بمقتضى المادة 63 مدونة الأسرة فإنه إذا تعرض الزوج أو الزوجة للإكراه أو اكتشف وقائع كانت هي الدافع لعقد الزواج فله أن يطلب من المحكمة فسخ هذا العقد سواء قبل البناء أو بعده داخل أجل لا يتعدى شهرين من يوم العلم بهذا التدليس، كما أن الفصل 52 من ق.ل.ع ينص على أن التدليس يخول الإبطال إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاه لما تعاقد الطرف الآخر. والمحكمة لما استخلصت مما تقدم أمامها أن الطاعن بنى بالمطلوبة وهي بحالها وعاشرها مدة 5 سنوات أثمرت عن إنجاب ولد، وخلصت إلى أن هذه المدة كافية لحصول العلم بما يتنكر له حاليا، فإنها قد استعملت سلطتها في تقويم الدليل، وعللت قرارها تعليلا كافيا."

وبقراءتنا للمادتين 12 و66 من مدونة الأسرة، فان التدليس يمكن أن يكون بهدف الزواج دون سن الأهلية أو من أجل الحصول على شهادة الكفاءة بهدف التعدد، خاصة في حالة الأجنبي وغير ذلك من الحالات التي يمكن أن يلجأ فيها الشخص إلى التدليس.

واستعمل المشرع هذا التدليس من طرف أحد المتعاقدين، من أجل الحصول على الإذن في الزواج، كالتدليس في الخبرة قصد الزواج دون السن القانوني أو زواج شخص مصاب بإعاقة ذهنية أو إعطاء بيانات خاطئة قصد الحصول على الإذن بتعدد الزوجات وغيره مما هو محدد في البندين 5و6 من المادة 65.

ويرى أحد الباحثين، أن ضابط السن تتظافر حوله عوامل تتعلق بالحماية من الزواج المبكر، والاحتياط لمسألة الرضى من جانب الفتاة بصفة خاصة، لذلك فهو يعتقد أنه يجب اتخاذ حل مرن بخصوص مسألة تخلف شرط السن، غير أنه يتعين في نفس الوقت التشديد على التثبت من عامل السن لدى الشباب المقبلين على الزواج والفتيات خاصة، رغم صعوبة ذلك أمام عدم تعميم نظام الحالة المدنية وأمام لجوء بعض الآباء إلى طلب تغيير تواريخ ازدياد بناتهم توصلا إلى إمكان تزويجهن[36].

 ومن خلال مما سبق يمك إستنتاج أين  تكمن خصوصية المسؤولية في هذا الإطار، حيث أن الأجل المحدد في شهرين يختلف تماما عن أمد التقادم المنصوص عليه في ظهير الإلتزامات و العقود.

الفقرة الثانية: أساس التعويض عن المسؤولية

 للحديث عن أساس المسؤولية الناتجة عن إبطال عقد الزواج بسبب إكراه أو تدليس أحد الطرفين ، لابد من استحضار  مواقف فقهاء القانون المدني نظرا لإختلاف الأراء حول تحديد أساس التعويض في هذا الإطار . هل يعود للخطأ العقدي أم أنه يرجع للخطأ التقصيري؟

ذهب البعض إلى كون التعويض عند فسخ عقد الزواج بسبب الإكراه أو التدليس ينبني على أساس تعاقدي و يقوم هذا الإتجاه على أن كل متعاقد تسبب ، ولو بحسن نية ، في إيجاد مظهر تعاقدي اطمأن إليه المتعاقد الآخر بالرغم من بطلان العقد الذي قام عليه هذا المظهر ، يلتزم بمقتضى العقد الباطل ذاته أن يعوض المتعاقد الآخر  على ما أصابه من ضرر بسبب اطمئنانه إلى العقد ، بحيث يرجع الى الحالة التي كان عليها لو لم يتعاقد [37]

 فهذه النظرية إذن تبني المسؤولية هنا على أساس العقد الذي تقرر بطلانه باعتباره عملا قانونيا وليس باعتباره واقعة مادية . بمعنى أن العقد الباطل إذا كان بتجرد من آثاره بالنسبة للأداءات الأصلية التي أبرم من أجلها ، فهو  يستبقي أثره المتعلق بالتزام كل من عاقديه بضمان صحة و سلامة التعاقد ، ويترتب عن الإخلال بهذا الالتزام المسؤولية العقدية للمخل.

 في حين ذهب البعض الآخر بأن المسؤولية التقصيرية هي أساس التعويض المترتب عن الخطأ عند تكوين العقد ، فهو الرأي الذي يكاد ينعقد عليه إجماع الفقه و القضاء . [38]  فهذا الرأي يعتبر العقد الباطل واقعة مادية قد تستكمل عناصر الخطأ التقصيري    فتوجب التعويض ، و يكون العقد الباطل في هذه الحالة قد أنتج أقرا عرضيا، لا باعتباره عقدا و لكن باعتباره واقعة مادية .

اما من وجهة نظرنا المتواضعة فالرأي الأخير هو الرأي الصائب ، لأن العقد الباطل لا يرتب أي أثر سوى إرجاع الحال إلى مكان عليه قبل إبرام العقد ، و نفس الأمر بالنسبة للفسخ إن لم يكن هناك ضرر.


 

المبحث الثاني : خصوصية قواعد المسؤولية المدنية عند إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق أو التطليق .

عند إنتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق أو التطليق من طرف الزوج أو الزوجة فهذا يؤدي حتما إلى إلحاق الضرر بالطرف الآخر سواء كان ذلك الضرر ماديا أو معنويا ، ولذلك نجد أن مدونة الأسرة أوجدت حالات متعددة لإعمال قواعد المسؤولية المدنية في هذا الصدد ، و لهذا سنتحدث في (المطلب الأول ) عن الطابع التعويضي للمتعة في نصوص مدونة الأسرة وأحكام القضاء، ثم سنعرج الحديث عن   المسؤولية المدنية  عن التعسف في  إنهاء الرابطة الزوجية ( المطلب الثاني).

المطلب الأول : الطابع التعويضي للمتعة في نصوص مدونة الأسرة و أحكام القضاء .

إن ما يقرب المتعة من موضوع المسؤولية المدنية هو كونها تعد بمثابة تعويض عن الضرر ، لذلك سنتحدث عن الطابع التعويضي للمتعة في مدونة الأسرة ( الفقرة الأولى ) ، ثم سنتحدث عن الطابع التعويضي للمتعة في أحكام القضاء ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الطابع التعويضي للمتعة في نصوص مدونة الأسرة.

من المعروف  أن المشرع المغربي أشار إلى المتعة بشكل صريح في المادة 84[39] من مدونة الأسرة ، في معرض بيانه لمشتملات مستحقات الزوجة ، غير أنه لم يحدد تعريفا لها و إنما حدد ضوابط تقديرها ، وقبل الحديث عن الطابع التعويضي للمتعة في نصوص مدونة الأسرة لابد لنا ان نذكر بإيجاز تعريفها و سندها الشرعي في كتاب الله عز وجل .

          المتعة شرعا :هي عبارة عن مبلغ من المال يبذله الزوج المطلق إلى مطلقته في أحوال معينة[40].

و سندها الشرعي ، حيث يقول الله عز وجل في محكم كتابه العزيز ( لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ )[41].

فهذه الآية الكريمة تبين أن الزوجة التي يسمى لها صداق ، ولم يدخل بها زوجها فليس لها إلا المتعة[42].

 كذلك قوله تعالى(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ )[43] ، وهذا يفيد أن المطلقة التي سمي لها صداق و تم الدخول بها ، تكون المتعة مندوبة لها.

خلاصة القول إن المتعة هي حق للمرأة تعويضا عن وحشة الزواج بعد الفراق ، وعن عمرها الذي أفنته مع الزوج ، و تعويضا عما آلت إليه ، حيث لابد أن يراعي فيها مدة الزواج و أسباب الطلاق ، أو التطليق و المتسبب في ذلك[44].

أما بالنسبة لطابع التعويضي للمتعة في نصوص مدونة الأسرة نذكر بداية  أن مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لم تكن تضفي  على المتعة صفة التعويض عن الضرر ، حيث أن تقدير هذه المتعة كان يراعي فيه فقط يسر الزوج وحال الزوجة دون النظر لعنصر الضرر الذي قد يلحق الزوجة جراء الطلاق وهذا تطبيقا للفصل 60 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة [45].

 

وقد سبق لمشروع مدونة الأحوال الشخصية الملغاة أن نص في الفصل المخصص لمتعة المطلقة على أنه : «إذا أساء الزوج استعمال حق الطلاق جاز للمطلقة رفع أمرها إلى القاضي ليصدر حكمه بتمتعها ، ويراعى في هذا التمتيع مقدار الضرر اللاحق بالمرأة وحالة الزوجة المالية والاجتماعية». غير أن اللجنة لم تعتمد هذا المقتضى الأخير بعد أن انتقده المقرر العام للجنة الذي اعتبر أنه تم "تخصيص التمتيع بحالة إساءة الزوج استعمال حقه في الطلاق، وتحويج المرأة إلى إقامة دعوى هذه الإساءة أمام القاضي مع أن القرآن صريح في وجوب تمتيع المطلقات عموما"[46].

 

فبعد التعديلات التي طرأت على مدونة الأحوال الشخصية بموجب الظهير بمثابة قانون الصادر في 10 شتنبر 1993 ، ألغي الفصل 60 أعلاه وحل محله الفصل 52 مكرر والذي نص على ما يلي : يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره وحالها، إلا التي سمي لها الصداق وطلقت قبل الدخول. إذا ثبت للقاضي أن الزوج طلق بدون مبرر مقبول تعين عليه أن يراعي عند تقدير المتعة ما يمكن أن يلحق الزوجة من أضرار».

 

وقد استنتج بعض الفقه أن هذا التعديل  محاولة  من المشرع المغربي لإعطاء المتعة الأهمية التي تستحقها من خلال التنصيص على مدى الضرر الذي لحق الزوجة من جراء طلاقها من زوجها طلاقا تعسفيا[47].

كما أرى جانب آخر من الفقه ، أن هذا التعديل يتمثل ، في إعطاء المتعة دورا جزئيا عند تحقق شرطين:

أ- أن يكون الطلاق بدون مبرر .

ب- أن يترتب على هذا الطلاق ضرر يصيب الزوجة المطلقة[48].

والظاهر أن هذا الحكم الجديد قد جاء متأثرا بالقواعد العامة للمسؤولية التقصيرية عموما و بالتعسف في استعمال الحق على وجه الخصوص[49].

وبالرجوع إلى مدونة الأسرة نجدها قد حددت عناصر تقدير المتعة في المادة 84 حيث نصت على أنه ( تشمل مستحقات الزوجة: الصداق المؤخر إن وجد، ونفقة العدة، والمتعة التي يراعى في تقديرها فترة الزواج والوضعية المالية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه).

فمدونة الأسرة قد أعطت المحكمة سلطة تقديرية في تحديدها لمبلغ المتعة لكن هذه السلطة ليست على إطلاقها بل هي مقيدة بضرورة مراعاة تلك العناصر بالمادة 84 السالفة الذكر ، على أن هذه العناصر و التي يمكن القول بأنها تعطي للمتعة وصف التعويض عن الضرر، تبقى هي:

فترة الزواج :

والمقصود به هو المدة التي استغرقتها الحياة الزوجية بين الطرفين ، فمراعاة الضرر الذي قد يلحق المطلقة جراء إنهاء العلاقة الزوجية يقتضي بالضرورة أن يستحضر القاضي عند تقدير المتعة مدة الزواج وهو ما توجبه مبادئ العدل والإنصاف ،فالمرأة التي طلقت بعد قضاء عشرات السنين في البيت الزوجي وأدائها لإلتزاماتها الزوجية طوال تلك الفترة قد يؤدي إلى إلحاق ضرر فادح بها مما يقتضي مساعدتها للتغلب عليها[50].

لذلك، يمكن القول إنه كلما كانت فترة الزواج طويلة كان احتمال الزيادة في مبلغ المتعة وهو ما أكدته محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 2006/09/27 والذي جاء فيه أن : تقدير المبالغ المحكوم بها تستقل به المحكمة طالما عللت ذلك طبقا للقانون، وهي لما رفعت واجب المتعة من مبلغ إلى مبلغ واجب النفقة أثناء العدة من مبلغ إلى مبلغ مراعية في ذلك الفترة التي دامت فيه العلاقة الزوجية بين الطرفين ودخل الزوج... فإنها تكون قد بنت قضاءها على أساس من القانون[51] .

2 - أسباب الطلاق ومدى تعسف الزوج في توقيع الطلاق :

وهنا يجب مراعاة ما إذا كانت أسباب الطلاق آتية من جهة الزوج أو من جهة الزوجة أو منهما معا، فالزوجة قد تتحمل قسطا من المسؤولية عندما تكون متسببة في إنهاء العلاقة الزوجية، كأن ترتكب في حق زوجها أفعالا لا تليق بالواجبات الزوجية ، كقيامها بممارسات لا أخلاقية، أو قيامها بأفعال تقلق راحته بكثرة المشاكل التي تثيرها من حوله، أو الدفع به إلى إنفاق يفوق طاقته ، وتكون إحدى هذه الوقائع هي الدافع الأساسي إلى  الطلاق [52]وبحسب مسؤوليتها في ذلك يجب على المحكمة التخفيف من مقدار المتعة التي من الممكن القضاء بها[53].

الفقرة الثانية : الطابع التعويضي للمتعة في أحكام القضاء .

 

لقد حرص القضاء عند تحديده لمتعة المطلقة على التأكيد على كون هذه الأخيرة تعد تعويضا عن الضرر الذي لحق بالمطلقة جراء إنهاء العلاقة الزوجية، فبالإضافة لاستناده في تقدير المتعة على العناصر المحددة في المادة 84 من المدونة، والتي تشير إلى طابع التعويض كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإنه حرص أيضا على التعبير عن ذلك الطابع بكيفية صريحة، حيث نجد عدة أحكام قضائية اعتمدت تعليلا مفاده أن المتعة شرعت لجبر الضرر اللاحق بالمطلقة ويراعى في تقديرها مدة العلاقة الزوجية وأسباب الطلاق والوضعية المادية والاجتماعية للطرفين معا ، وأيضا القول بأن " المتعة هي جبر الخاطر المرأة وتعويضا لها عما لحقها من ضرر بسبب الطلاق "واعتبرت أنه : "يجب للزوجة المتعة باعتبارها تعويضا شرعت لجبر الضرر "[54].

على أن القول بأن المتعة هي تعويض عن الضرر الذي أصاب المطلقة عند إنهاء العلاقة الزوجية، قد جعل بعض الأحكام القضائية تذهب بعيدا إلى حد رفض تمتيع المطلقة في الحالة التي تكون فيها المطلقة هي المسؤولة عن إنهاء العلاقة الزوجية، من ذلك أن تكون قد أدينت من أجل جنحة الخيانة الزوجية، وهو ما سارت عليه محكمة الاستئناف بالرشيدية في قرار لها صدر بتاريخ 2011/03/22 جاء في حيثياته أن : المشرع يقضي في المادة 84 من قانون الأسرة بأن تقدر مستحقات الزوجة بعد الطلاق بناء على عناصر منها مدة الزواج وأسباب الطلاق ومدى تعسف الزوج في توقيعه ووثائق الملف تثبت أن الزوج لم يكن متعسفا في اللجوء إلى مسطرة الشقاق للحصول على الطلاق، بل دفعه ذلك إلى خيانة زوجته له وإدانتها جنائيا عن ذلك بموجب القرار رقم 732، لذلك فإن الزوجة لا تستحق شيئا عن المتعة لأنها بمثابة مقابل لجبر ضرر الطلاق ، والزوجة هي المتسببة فيه"[55].

والحقيقة أن الزوجة وإن كانت هي المسؤولة لوحدها عن إنهاء العلاقة الزوجية كما في الحالة السابقة والتي ثبتت في حقها الخيانة الزوجية، فإنها مع ذلك لا ينبغي أن تحرم من حقها في المتعة؛ لأن المتعة وإن كانت تحمل في طياتها معنى التعويض عن الضرر، فإن لها أيضا معنى آخر وهو كونها حق مالي للمطلقة تستحقه عند الطلاق أو التطليق، وهذا المعنى الأخير هو ما حدا ببعض المحاكم إلى الحكم للمطلقة بالمتعة رغم كونها هي المتسببة في الطلاق[56].

المطلب الثاني: المسؤولية المدنية عن التعسف في انهاء الرابطة الزوجية

إن كان التعويض عن المسؤولية المدنية  أثناء قيام العلاقة الزوجية أمرا مستبعدا نظرا للطبيعة الشرعية لهذه الرابطة، فإن قيام مثل هذه المسؤولية ممكننا لا سيما عند انحلال الرابطة الزوجية وقد أسس له المشرع من خلال مقتضيات مدونة الأسرة فإلى جانب المتعة التي لها طابع تعويضي شرعي بحث، أقر المشرع المغربي التعويض للطرف المتضرر من هذا الانحلال، بحيث سنعمل على تحديد الأساس القانوني للتعويض عن الأضرار الناتجة عن انهاء عقد الزواج (الفقرة الأولى)، لنستفيض بعد ذلك في الحديث عن الضرر الواجب قيامه لاستحقاق التعويض (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى:  أساس التعويض عن الأضرار الناجمة عن انهاء عقد الزواج بالطلاق أو التطليق

إن ما يجب الإشارة اليه قبل الحديث عن الأساس التعويضي للأضرار الناتجة عن ايقاع الطلاق التعسفي، أن انفتاح المشرع المغربي على قواعد المسؤولية المدنية في مدونة للأسرة هو من بين أهم المستجدات التي تضمنتها هذه الأخيرة، ذلك أن مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لم تكن تتضمن أي مقتضى يتعلق بتعويض أحد المطلقين حتى إذا ثبت أن الطلاق أو التطليق كان تعسفيا.

ولكن المشرع المغربي أخذ بهذه النظرية في نطاق مدونة الأسرة إذ أخذ في تنظيمه للطلاق بقاعدة أخف الضررين، وعليه فتح الباب أمام  الطرف المضرور للمطالبة بالتعويض حالما لحقه ضرر من جراء ممارسة الطرف الآخر لحقه في إيقاع الطلاق.

ولكن هذا الباب حصره المشرع المغربي في التطليق للشقاق والتطليق للضرر، حيث في هذه الحالات يمكن للطرف المضرور المطالبة بالتعويض من الطرف المطالب بالتطليق، أما عن الطلاق الذي يوقعه الزوج تحت مراقبة القضاء والذي نظم المشرع المغربي أحكامه من خلال المواد 78 إلى المادة 93 من مدونة الأسرة، فلا مجال لإعمال مقتضيات المسؤولية المدنية فيه لتقدير التعويض، ولو كان الطلاق تعسفيا، ذلك لأن الزوجة يتم تعويضها من خلال المتعة،  فبالرجوع إلى نص المادة 84 من مدونة الأسرة نجد المشرع المغربي حدد المعايير المعتمدة في تقدير المتعة والمتمثلة في فترة الزواج والوضعية المالية للزوج، وأسباب الطلاق ومدى تعسف الزوج في توقيعه، و عليه فالمشرع جعل من التعسف في استعمال حق توقيع الطلاق معيارا لتقدير المتعة، وهو نفس الاتجاه الذي سارت عليه جل الأحكام القضائية، التي ترفض الحكم للزوجة بالتعويض ولو تبث أن الزوج كان متعسفا في ايقاعه ، ذلك أن حق المتضررة في هذه الحالة يتمثل في المتعة والذي يؤخذ بعين الاعتبار لتحديدها مدى تعسف الزوج في ايقاع الطلاق.

 

فقد جاء في حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بالناظور عدد 84/2005  بتاريخ 06/10/2005[57]:" [...] وحيث ثبت للمحكمة من خلال ما تضمنته محاضر الجلسات وما راج أمامها أن الأسباب المتمسك بها من طرف الزوج لإيقاع الطلاق مجردة من الإثبات، الأمر الذي يضفي على حق الزوج في إيقاع الطلاق طابع التعسف وهو ما راعته المحكمة عند تحديد المتعة."

 

ونفس التوجه التي تسير عليه جل محاكم الموضوع، الأمر الذي يجعل الجمع بين المتعة والتعويض عن الطلاق التعسفي أمرا مستبعدا إن لم نقل غير ممكنا، ومن تم فمجال إعمال التعويض عن الطلاق التعسفي حسب التشريع المغربي هو التطليق للشقاق أو للضرر، وهو ما يجعلنا نتساءل عن الأساس التعويضي عن التطليق التعسفي، هل يكون بناء على المسؤولية التقصيرية أم بناء على المسؤولية العقدية؟

للإجابة عن التساؤل أعلاه سنورد الرأي الذي يؤكد قيام مسؤولية موقع الطلاق تعسفيا على المسؤولية العقدية، ثم نورد الرأي القائل بقيام مسؤولية موقع الطلاق تعسفيا على المسؤولية التقصيرية وما يعزز هذه الآراء من حجج وأدلة.

إن الأساس التعويضي عن إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق والتطليق كان محط نقاش منذ صدور مدونة الأسرة المغربية، ذلك أن المشرع المغربي فتح الباب للمتضرر من الطلاق التعسفي للمطالبة بالتعويض دون تحديد أساس هذه المسؤولية، فهناك من الفقهاء من يرى أن المسؤولية تقوم على مسؤولية عقدية ذلك أنها ناتجة بالأساس عن إخلال أحد أطراف عقد الزواج بأحد التزاماته وترتب عنه انهاء عقد الزواج .

 

وهناك رأي مخالف يأخذ بخصوصية المسؤولية في المجال الأسري، لاسيما في عقد الزواج، ذلك أنه في إطار العقود المدنية  تلعب إرادة أحد المتعاقدين دورا أساسيا سواء في إبرامها أو تحديد الآثار المترتبة عنها، أما في عقد الزواج فإن حرية الأفراد تنتهي بمجرد ابرامه حيث يرتب عليه القانون عدة آثار[58] مثل المساكنة الشرعية والمعاشرة بالمعروف وحسن المعاملة وغيرها وهي آثار قانونية تكفل المشرع بتنظيمها، كما جعلها من صميم النظام العام وبالتالي لا يمكن الاتفاق على مخالفتها، وهو ما ينفي عن الموضوع طابع المسؤولية العقدية.

وعليه فالأحكام الواجبة التطبيق عند تعسف أحد الزوجين في استعمال حقه في التطليق للشقاق هي الأحكام المنصوص عليها في الفصلين 77 و 78 من قانون الالتزامات والعقود، فالتعسف في استعمال الحق هو عنصر الخطأ الذي يشكل أحد عناصر المسؤولية التقصيرية، أما عنصر الضرر وإن لم يتم الإشارة اليه من خلال الفصل 97 من مدونة الأسرة، فإنه يفترض إذ لا يمكن تصور انهاء العلاقة الزوجية بطريقة تعسفية دون ضرر مادي أو معنوي.[59] وسنحاول الاستفاضة في تحديد ركن الضرر الواجب قيامه لاستحقاق المتضرر من التطليق التعسفي التعويض في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: مفهوم ركن الضرر اللازم لقيام الحق في التعويض

حسب ابن منظور الضرر هو ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع، والضار هو إسم من أسماء الله الحسنى، فهو الذي يضر من يشاء من خلقه، حيث هو خالق الأشياء كلها خيرها وشرها ونفعها وضرها[60].

فإذا كان الضرر عند فقهاء القانون هو ما يلحق الشخص من أذى ناتج عن مساس بحق من حقوقه أو مصلحة مشروعة سواء تعلقت هذه المصلحة بجسمه أو عاطفته أو ماله أو شرفه أو اعتباره أو غير ذلك، فإن الضرر في المجال الأسري يختلف عن ما تم ذكره ،فقد كانت مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لا تحدد مفهوم الضرر، إنما تركت ذلك لقاضي الموضوع بما له من سلطة تقديرية أن يتحرى نوع الضرر الحاصل ومدى جسامته بحسب نوع النزاع المعروض عليه، وما إذا كان الضرر المدعى به تستحيل معه العشرة الزوجية، وبالتالي مبررا للتطليق، أما عن مدونة الأسرة [61]فقد توسعت في مفهوم الضرر، فاعتبرت تحققه بمجرد إخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج أو أي سلوك مشين يخل بالأخلاق الحميدة ، يلحق بالزوجة إساءة تجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية.

ومما تقدم، يتبين لنا أن المشرع المغربي في مدونة الأسرة قد توسع في مفهوم الضرر، من ضرر ينبني على معيار موضوعي، يشمل كل نوع من أنواع الأضرار الذي لا يستطاع معه دوام العشرة، إلى معيار ذاتي يختلف من زوجة لأخرى ، وتقديره يدخل في إطار ما لقاضي الموضوع من سلطة تقديرية[62].

وعليه فالضرر الواجب تحققه لاستحقاق التعويض سواء في التطليق للشقاق أو للضرر؛ كل ضرر ماديا كان أو معنويا، مما لا تستقيم معه العشرة الزوجية، وتتحقق معه المقاصد الشرعية من الزواج من مودة وعدل ورحمة، من قبيل استعمال العنف، الضرب المبرح الذي لا يقصد به التأديب، والإهانة وسوء المعاملة وقطع الكلام وهجر المعاشرة الزوجية والسكر المستمر إلى ما إلى ذلك من الصور التي يتحقق فيها الضرر الموجب للتعويض[63].

أما عن تعويض الضرر فيمكن إثباته بجميع وسائل الاثبات بما فيها شهادة الشهود[64]؛ وعليه فمن يدعي أنه لحقه ضرر استوجب عليه إثباته أمام القضاء بناء على القاعدة الفقهية القائلة: "البينة على المدعي" وعليه فعلى الطرف الذي يطالب بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء التطليق إثبات الوقائع التي يدعيها والقاضي يعمل على تكييفها تكييفا قانونيا صحيحا ليحكم إما باستحقاق التعويض أو عدم ذلك وفقا لسلطته التقديرية.

وإن كانت هذه المقتضيات تسري عن التطليق للضرر، فإنه ليس هنالك ما يمنع من إسقاطها على التطليق للشقاق ذلك أنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 97 من مدونة الأسرة فإن القاضي يبت إلى جانب الحكم بالتطليق في المستحقات المالية وكذلك التعويض المحكوم به على المسؤول ولفائدة الزوج الآخر[65]، وبالتالي فمادام الطلاق للشقاق يقوم على أساس المسؤولية التقصيرية فركن الضرر يجب أن يكون قائما وعلى من يدعيه إثباته وكل ذلك وفق لما ذكر أعلاه.

إلا أن الاختلاف في مسطرة التطليق للشقاق والتطليق للضرر-إن شئنا أن نقول- ليس في ركن الضرر إنما في الجهة المخول لها الطالبة بالتعويض، ففي الوقت الذي حصر المشرع الطرف المستحق للتعويض في التطليق للضرر في الزوجة، جعل في التطليق للشقاق كلا الطرفين مستحقي للتعويض حسب المسؤول عن التطليق، اذ قد يكون الزوج كما قد تكون الزوجة.


 

خاتمة

ونافذة القول، لقد انفتحت مدونة الأسرة على مقتضيات قانون الالتزامات و العقود مما تبين  لنا أنها راعت حماية الطرف المتضرر سواء تعلق الأمر بالخاطبين أو  بالزوجين، وذلك بإقرارها لمجموعة من الأحكام التي تخول إمكانية الحصول على التعويض المدني عن الضرر اللاحق بأحدهما.

غير أن إعمال قواعد المسؤولية المدنية في العمل القضائي الأسري يكاد يقتصر على موضوع انحلال ميثاق الزوجية، إذ نادرا ما يتم تفعيلها بخصوص ما يتعلق  بالخطبة والزواج، ولعل ذلك راجع بصفة أساسية إلى أسباب اجتماعية تتجلى في جهل المتقاضين لهذه المقتضيات، وربما أيضا إلى اختيارهم إلى فض بعض النزاعات المثارة بشأنها خارج إطار القضاء كلما أمكن ذلك، كما هو الشأن بالنسبة لفسخ الخطبة.

 ووجدنا كذلك  تعارض في الأحكام القضائية فيما يخص حق المتعة والحق في التعويض ، فهناك أحكام قضائية تخلط بين هذين الحقين ،  و أحكام  قضائية أخرى تفصل بينهم، وهو ما يتعين معه في اعتقادنا الفصل بين حق المتعة المقرر شرعا وحق الحصول على التعويض وعدم اعتبار المتعة شاملة للتعويض المستحق عن الضرر. 

لائحة المراجع:

الكتب

 

مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي مصادر الالتزامات ، ج  الأول، ط الأولى.

 

محمد الأزهر ، شرح مدونة الأسرة ،  الطبعة الثامنة ، 2017

 

محمد الكشبور ، شرح مدونة الأسرة ، الجزء الثاني انحلال ميثاق الزوجية ، الطبعة الأولى، 2006 .

 

فؤاد قريشي " "موقف القضاء الاسري في أعمال قواعد المسؤولية المدنية في مدونة الاسرة" طبعة 2009 .

 

عبد الحق الصافي " الوجيز في القانون المدني " طبعة الثانية ، سنة 2020.

محمد الشافعي "الزواج و الانحلال في مدونة الاسرة " طبعة2021  .

محمد الكشبور " الواضح في شرح مدونة الاسرة" طبعة 3 سنة  2015.

عبد القادر العرعاري "مصادر الالتزام " الكتاب الثاني " المسؤولية المدنية " طبعة 3 سنة 2021.

 

أسامة عبد الرحمان "المسؤولية التقصيرية أو العمل الغير المشروع " 2017.

خالد بنمومن " المسؤولية المدنية في قضايا الاسرة" طبعة 2016.

 

ابن منظور، معجم لسان العرب، دار صادر بيروت، دون ذكر السنة.

 

عبد الرحمن الحجاجي، التعويض في مدونة الأسرة بين الأحكام الموضوعية والمسطرية، الطبعة الأولى س2019.

 

عبد الكريم شهبون ، الشافي في شرح مدونة الأسرة ، ج الأول، انحلال ميثاق الزوجية، وآثاره الولادة و نتائجها ، ط الأولى 2006.

 

محمد المهدي ، المقتضب في أحكام الأسرة من خلال قانون الأسرة المغربي، ج الأول، ط 2004.

 

أطروحة

 

عبد المجيد غميجة ، موقف المجلس الأعلى من ثنائية القانون والفقه في مسائل الأحوال الشخصية ، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، 1999/2000.

 

بحوث نهاية التكوين:

 

فؤاد قريشي، أحمد اليوسفي "موقف القضاء الأسري من إعمال قواعد المسؤولية المدنية في مدونة الأسرة" ،بحث نهاية التمرين المعهد العالي للقضاء 2010/2011.

 


[1] المادة السابعة من مدونة الاسرة تنص " مجرد العدول عن الخطبة لا يترتب عنه تعويض " .

غير أنه إذا صدر عن احد الطرفين فعل سبب ضررا  للأخر،  يمكن للمتضرر المطالبة بالتعويض ".

[2] فؤاد قريشي " "موقف القضاء الاسري في أعمال قواعد المسوؤلية المدنية في مدونة الاسرة " 2009 ص 6

[3] عيوب الرضى نص عليهم الفصل 39 ق ل ع " يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط ، أو الناتج عن تدليس ، أو المنتزع بإكراه ".

[4] فؤاد قريشي " "موقف القضاء الاسري في أعمال قواعد المسوؤلية المدنية في مدونة الاسرة " م س ص 6 7

[5] المسوؤلية العقدية هي الجزاء عن الاخلال بالتزامات عقدية أو بمعنى اخر تتحقق هذه المسوؤلية عندما يكون الضرر الذي يتعرض له الشخص ناتجا عن امتناع عن تنفيذ التزامه العقدي . عبد الحق الصافي " الوجيز في القانون المدني " طبعة الثانية ، سنة 2021 ص 17

[6]  فؤاد قريشي ،   م  س ، ص 8 9

[7]   فؤاد قريشي   ن م ،  ص 4

[8] محمد الشافعي "الزواج و الانحلال في مدونة الاسرة " طبعة2021  ص 29

[9] محمد الكشبور " الواضح في شرح مدونة الاسرة" طبعة 3 سنة  2015 ص 217

[10] المادة 5 م أ الفقرة الأولى "الخطبة تواعد رجل وامرأة على الزواج.".

[11] الفصل 14 ق ل ع " مجرد الوعد لا ينشئ التزاما "

[12]  الفصل 77 ق ل ع " كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة و اختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون ، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير ، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر،  إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر".

الفصل 78 ق ل ع " كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه،  لا بفعله فقط ولكن بخطأه أيضا،  وذلك عندما يثبت ان هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر .".

[14] عبد القادر العرعاري "مصادر الالتزام " الكتاب الثاني " المسوؤلية المدنية " طبعة 3 سنة 2021 ص 62

[15] في هذا الصدد نجد  قرار محكمة النقض الفرنسية صادر بتاريخ 16 مارس  1956  مأخوذ  من كتاب فؤاد قريشي  م س ص20

 " انهاء الوعد بالزواج إذا ترتب عنه ضرر لاحد الخطبين لا يولد بذاته [...] إذ أن هذا التعويض لا ينشأ الا اذا انضم إلى انهاء الوعد بالزواج خطأ يمكن اعتباره جنحة أو شبه جنحة ".

[16]خالد بنمومن،  م س ، ص 123

[17] جاء في قرار محكمة الاستئناف بتاريخ 2006 \06\15 دون ذكر العدد   " حيث نقض المجلس الأعلى القرار الاستئنافي المشار إليه.[...]بعلة أن البينة على المدعى و اليمين على من انكر ، وأن المحكمة لما استجابت لطلب المدعى بعلة ، أن المدعى عليهم لم يستطيعوا إثبات أن العدول عن الخطبة لم يكن بسببهم وتكون قد قلبت عبء الاثبات و خرقت القاعدة [...]".

[18] خالد بنمومن ، م س ، ص 128

[19] أسامة عبد الرحمان "المسوؤلية التقصيرية او العمل الغير المشروع " 2017 ص 26 27

[20] أسامة عبد الرحمان ، ن م ،  ص 27

[21] حكم المحكمة الابتدائیة بالحسيمة  صادر بتاريخ  22\03\2007 الملف عدد 536 ، 2006 

في هذا السياق فقد قضت المحكمة الابتدائیة بالحسيمة برفض طلب تعويض تقدمت به المخطوبة عن الضرر الحاصل لها بسبب تغرير الخاطب بها و عدوله عن الزواج بعد الإذن له بالزواج بها بعد أن اتضح لها أن العلاقة بين الخطبين و صلت  إلى حد العلاقة الجنسية ، وقد جاء في تعليل الحكم " حيث تبين للمحكمة من خلال اطلاعها على وثائق الملف ، أن المدعية تطالب بالتعويض عن فعل التغرير  الذي ارتكبه المدعى عليه الذي مارس الجنس معها بمنزلها كما هو ثابت من اقرارها ، وحيث إن القول بتغرير المدعى عليه للمدعية قصد ممارسة الجنس معها لايمكن الاستكانة إليه، على اعتبار أن المدعية تبلغ من السن ما يسمح لها معه بتدبير أمورها جيدا  وتقدر أفعالها بكل دقة ، خصوصا وانها متعلمة و مربية أطفال تعي جيد أن الأفعال التي قامت بها مخالفة للشرع و للعرف الشرعي ، خصوصا وأن الخطبة وعد بالزواج و ليس بزواج ، وبالتالي يكون الخطيبان قد استسلمت معا للرغبة الجنسية ورضيت المدعية بذلك ، بدون اكراه فإنه لا موجب لأي تعويض لا لضرر مادي أو معنوي " أشار إليه خالد بنمومن  م س،  ص 131.

[22] خالد بنمومن " المسوؤلية المدنية في قضايا الاسرة" طبعة 2016 ص 133 132

[23] المادة 5 م أ " الخطبة تواعد رجل وامرأة على الزواج. "

[24] فؤاد قريشي،  م س ، ص 25

[25] - المادة العاشرة من مدونة الاسرة.

[26] - المادة 63 من مدزنة الاسرة.

[27] الفصل 39 من ظهير الإلتزامات و العقود.

[28] محمد المهدي، المقتطب في أحكام الأسرة من خلال قانون الأسرة المغربي، ج الأول ، ط 2004، ص 28 .

[29] مقتضيات النصوص المتعلقة بالإبطال في ظهير الإلتزامات و العقود.

[30] المادة 63 من مدونة الأسرة.

[31] المادة 12 من مدونة الأسرة .

[32] المادة 63 من مدونة الأسرة.

[33]  مأمون الكزبري، نظرية الإلتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي،  مصادر الالتزام ، ج الأول ، منشورات الحلبي الحقوقية، ط الأولى 2020، ص98 .

[34] عبد الكريم شهبون الشافي في شرح مدونة الأسرة، ج الأول ، إنحلال ميثاق الزوجية و آثاره الولادة ونتائجها ، مطبعة النجاح الجديدة ، ط الأولى ، 2006 ، ص 172.

[35] قرار محكمة النقض، عدد113 ، صادر بتاريخ 16 مارس 2021 ملف شرعي.

[36] عبد المجيد غميجة ، موقف المجلس الأعلى من ثنائية القانون والفقه في مسائل الأحوال الشخصية ، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، ص 173.

[37] خالد بن مومن ، م س ، ص 158 .

[38] عبد الحق الصافي ، القانون المدني، ج الأول ، المصدر الإرادي للعقد، الكتاب الأول ، ط الأولى  2006 ، ص545.

[39] المادة 84 من مدونة الأسرة تنص على مايلي ( تشمل مستحقات الزوجة: الصداق المؤخر إن وجد، ونفقة العدة، والمتعة التي يراعى في تقديرها فترة الزواج والوضعية المالية للزوج، وأسباب الطلاق، ومدى تعسف الزوج في توقيعه.

تسكن الزوجة خلال العدة في بيت الزوجية، أو للضرورة في مسكن ملائم لها وللوضعية المادية للزوج، وإذا تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودع كذلك ضمن المستحقات بكتابة ضبط المحكمة. ).

[40] محمد الكشبور ، شرح مدونة الأسرة ، الجزء الثاني انحلال ميثاق الزوجية ، الطبعة الأولى ، 2006 . ص . 55.

[41]سورة البقرة ، الآية 234

[42] محمد الأزهر ، شرح مدونة الأسرة ،  الطبعة الثامنة ، 2017 ، ص 162.

[43] سورة البقرة ، الآية 241 .

[44] محمد الأزهر ، م . س ، ص . 181.

[45] حيث ينص الفصل كن مدونة الأحوال الشخصية على أنه ( يلزم كل مطلق بتمتيع مطلقته إذا كان الطلاق من جانبه بقدر يسره و حالها …).

[46] خالد بنمومن ، م .س ، ص . 170 و 171.

[47] خالد بنمومن ، م.س، ص.170.

[48] محمد الكشبور ، شرح مدونة الأسرة ، الجزء الثاني ، م.س، ص. 58.

[49]محمد الكشبور ، شرح مدونة الأسرة ، الجزء الثاني ، م.س، ص. 59.

[50] خالد بنمومن ، م.س ،ص.171.

[51] خالد بنمومن ، م.س ،ص.171.

[52] محمد الكشبور ، شرح مدونة الأسرة ، الجزء الثاني ، م.س، ص 62.

[53] خالد بنمومن ، م.س ،ص.172.

[54] خالد بنمومن ، م.س ،ص.176.

[55] خالد بنمومن ، م.س ،ص.176 و 177.

[56] خالد بنمومن ، م.س ،ص 177.

[57] أورده فؤاد قريشي، أحمد اليوسفي "موقف القضاء الأسري من إعمال قواعد المسؤولية المدنية في مدونة الأسرة" ،بحث نهاية التمرين المعهد العالي للقضاء، ص:62.

[58] المادة 51 من مدونة الأسرة تنص على أن: " الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين:

1 – المساكنة الشرعية بما تستوجبه من معاشرة زوجية وعدل وتسوية عند التعدد، وإحصان كل منهما وإخلاصه للآخر، بلزوم العفة وصيانة العرض والنسل؛

2 – المعاشرة بالمعروف، وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ على مصلحة الأسرة؛

3 – تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال؛

4 – التشاور في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير شؤون الأسرة والأطفال وتنظيم النسل؛

5 – حسن معاملة كل منهما لأبوي الآخر ومحارمه واحترامهم وزيارتهم واستزارتهم بالمعروف؛

6 – حق التوارث بينهما."

[59] فؤاد قريشي، أحمد اليوسفي، م.س، ص:51.

[60] إبن منظور، لسان العرب ، ج8، باب الضرر، ص:44.

[61] المادة 99 من م.أ تنص على أنه:" يعتبر كل إخلال بشرط في عقد الزواج ضررا مبررا لطلب التطليق.

 يعتبر الضرر مبررا لطلب التطليق، كل تصرف من الزوج أو سلوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية تجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية."

[62]   عبد الرحمن الحجاجي، التعويض في مدونة الأسرة بين الأحكام الموضوعية والمسطرية، الطبعة الأولى س2019ص:165

[63] المرجع نفسه،ص:165.

[64] المادة 100 من م.أ تنص على أنه: «تثبت وقائع الضرر بكل وسائل الاثبات بما فيها شهادة الشهود، الذين تستمع إليهم المحكمة في غرفة المشورة.»

[65] قرار محكمة النقض، ع239، الصادر بتاريخ 25/03/2014 ، في الملف الشرعي، ع:42/2/1/2013 جاء فيه:" لكن حيث إنه طبقا للمادة 97 من مدونة الأسرة ، فإن التعويض يحكم به في الفراق الذي يطلبه أحد الزوجين بسبب مسؤولية الزوج الآخر فيه." أورده عبد الرحمن الحيجاجي،م.س،ص:190

 

تعديل المشاركة Reactions:
author-img

محمد أمدير

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته اولا تحية سلام و ود منا لزوارنا الكرام نتمنى أن تكون عند حسن ظنكم و تقديم محتوى يرقى لذوقكم و سنعمل على ذلك ان شاء الله
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة